التفاصيل

القطار فائق السرعة - المغرب

-

يقع المغرب قبالة إسبانيا تماماً، فلا يفصل بينهما سوى مضيق جبل طارق. ويعرف المغرب بكونه "أبعد نقطة على اليابسة تغرب عليها الشمس"، والنظام الملكي الوحيد المتبقي في منطقة شمال أفريقيا. وتعتبر الدار البيضاء أكبر المدن المغربية، ومركزاً صناعياً وتجارياً يحتضن الميناء الرئيسي للبلاد على المحيط الأطلسي. أما العاصمة الرباط، فهي تبعد مسافة قصيرة إلى الشمال على ساحل المحيط الأطلسي.

وتشمل المدن المينائية الأخرى في المغرب كلاً من طنجة المطلة على مضيق جبل طارق، وأغادير على المحيط الأطلسي، والحسيمة على البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى القنيطرة. ويمتد المغرب على مساحة 446550 كيلومتر مربع، وبلغ تعداده السكاني 34,8 مليون نسمة حتى عام 2017. وخلال السنوات القليلة الماضية، كان المغرب يسعى للتحول إلى مثال للتطور والنمو تحتذي به كل دول العالم. ويحقق هذا البلد الشمال أفريقي إنجازات مهمة ترتقي بمكانته عاماً تلو الآخر، مقتدياً بأبرز القوى الاقتصادية العالمية مثل الصين وفرنسا في بناء شبكة سكك حديدية لقطارات TGV فائقة السرعة تربط بين مدنه.

ولعل عدم احتوائها على موارد هيدروكربونية كبقية جيرانها العرب، قد ساهم بتصنيف المملكة المغربية في المرتبة 8 بين البلدان العربية على مؤشر التنافسية العالمي لعام 2017-2018 الصادر عن "المنتدى الاقتصادي العالمي". وبالرغم من ذلك، لطالما بذلت المملكة جهوداً حثيثة لتعزيز نفوذها الاقتصادي. وقادت المساعي الدؤوبة لدعم انفتاح البلاد اقتصادياً، إلى أسواق سلع تنافسية وفاعلة؛ فيما أثمرت السياسات التي توجه قطاعي التجارة والصناعة بهدف تعزيز العلاقات الدولية، تدريجياً عن خفض متوسط التعرفة الجمركية المفروضة على الواردات بنسبة 8,4٪، لتتراجع نسبتها من 18,9٪ إلى 10,5٪ في غضون 10 سنوات.

وبالتزامن مع توجه أوسع نطاقاً ساد العالم العربي كله، حققت المغرب أيضاً استثمارات مهمة في مجال البنية التحتية. ففي عام 2005، وضعت البلاد خطة وطنية خاصة بشبكة السكك الحديدية فائقة السرعة. وأجرت عدة تحديثات لشبكة السكك الحديدية الموجودة منذ الحقبة الاستعمارية خلال فترة الثمانينات. وبعد التحديثات، شهدت حركة المسافرين وقطاع التنقل نمواً ملحوظاً- من 14,7 مليون مسافر في عام 2002 إلى 40 مليون مسافر في عام 2015. وانطلاقاً من إدراكه لأهمية تحديث شبكة السكك الحديدية القديمة في البلاد، والتي تساهم منذ دخولها حيز الخدمة في فترة الستينيات بنقل الركاب على طول الخط الساحلي بين مدينتي المغرب الرئيسيتين طنجة والدار البيضاء؛ ساهم صندوق أبوظبي للتنمية في بناء شبكة سكك حديدية متطورة للقطارات فائقة السرعة، من خلال قرض بلغت قيمته 514 مليون درهم.


وقد بدأ صندوق أبوظبي للتنمية منذ عام 1976 دعم مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المغرب. واستأثرت البلاد بتركيز من جانب الصندوق، حيث بلغت اجمالي تمويلات الصندوق 9 مليارات درهم خصصت لتمويل 81 مشروعاً في العديد من القطاعات الرئيسية شملت الزراعة، والكهرباء والمياه، والخدمات الاجتماعية والصحية، والإسكان، والخدمات الصناعية، والنقل، وغيرها. ومن بين هذه المشاريع كان مشروع القطار فائق السرعة (TGV) الذي يلعب دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ومن خلال الربط بين مدينتي طنجة والدار البيضاء، سيساهم هذا المشروع المهم في مجال البنية التحتية- البالغ طوله 200 كم ويسيّر قطارات بسرعة 320 كم/ ساعة- في اختصار الوقت على المسافرين؛ وبالتالي تعزيز حركتي السياحة والتجارة على مستوى المدينتين والبلاد بشكل عام. كما سيساهم المشروع بدعم مسيرة التنمية الاقتصادية المستدامة في المغرب بما ينسجم مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي تشمل على وجه الخصوص العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف 8)، الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية (الهدف 9)، ومدن ومجتمعات محلية مستدامة (الهدف 11).

سيكون لعصر السفر الجديد عبر السكك الحديدية أثر كبير على المغرب مع انطلاق مشروع TGV بين المدن، حيث أن مشروع القطار يعد أول شبكة للقطار فائق السرعة في القارة الأفريقية، ويساهم المشروع باختصار المدة اللازمة للسفر من طنجة إلى المركز الصناعي في الدار البيضاء- والبالغة 4 ساعات و45 دقيقة- بمعدل يفوق النصف. وسيتم تشغيل خط طنجة-القنيطرة بسرعة قصوى تبلغ 320 كم في الساعة. فيما سيحتاج استكمال الطريق من القنيطرة إلى الرباط إلى الدار البيضاء خطاً ثالثاً يسمح بتسيير القطار بسرعة 180 كم في الساعة مقارنة مع 160 كم في الساعة للقطارات التقليدية ريثما يتم بناء المسار الإضافي والذي سيغدو جاهزاً بحلول عام 2020. وستغطي القطارات الجديدة الاثنا عشر الرحلة البالغ طولها 354 ميلاً في غضون ساعتين أو أكثر بقليل. ويتألف كل قطار من 8 عربات، بينها عربة مخصصة للطعام؛ وسيكون قادراً على استيعاب أكثر من 533 راكباً. ونوه ربيع لخليع، الرئيس التنفيذي للمكتب الوطني للسكك الحديدية، إلى أن قطارات TGV ستوظف 1500 عامل بشكل مباشر، و3000 عامل بشكل غير مباشر ممن سيواصلون العمل في تلبية خدمات المكتب. ولعل الهدف من توفير هذه الشبكة الجديدة هو حفز فرص الترفيه والعمل داخل البلاد. وإلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة، ستساهم استثمارات المشروع باستقطاب أهم الكفاءات الاقتصادية التي تعتبر المنطقة بأمس الحاجة إليها.


ربط محركات النمو الاقتصادي

من المتوقع أن يساهم خط طنجة - الدار البيضاء في تحقيق زيادة مذهلة في أعداد المسافرين، وبالتالي تعزيز السياحة والنمو الاقتصادي في المدينتين، وتحفيز الاستثمارات. ويتوقع المسؤولون المغاربة أن يساهم المشروع الجديد بنقل نحو 6 ملايين مسافر في أول 3 سنوات من تشغيله، أي ما يصل إلى 5480 راكباً يومياً. ولمواكبة هذا المستوى من حركة المسافرين، سيكون هناك قطارات مغادرة كل ساعة، ويتوقع لقطار LGV أن يحافظ على متوسط إشغال قدره 70٪. ويسعى المغرب إلى إتاحة خدمات هذا القطار لجميع المواطنين بأسعار معقولة، دون فرض أسعار الخدمات الفاخرة على من يستخدمونه. وبهذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي المهدي فاكر إن القطار فائق السرعة سيضيف قيمة كبيرة إلى الاقتصاد المغربي كونه يربط بين أهم محركات النمو الاقتصادي في البلاد. وأشار المكتب الوطني للسكك الحديدية، المشغل الوطني للسكك الحديدية في المغرب، إلى أن المشروع الجديد سيلعب دوراً رئيسياً في تعزيز النشاط الاقتصادي لميناء "طنجة المتوسط". وخير مثال على ذلك هو مجموعة "بي اس ايه" (PSA) الفرنسية الشهيرة لتصنيع السيارات، والتي انتقلت إلى مدينة القنيطرة فور تعهد الحكومة المغربية بنقل المركبات التي تنتجها إلى ميناء "طنجة المتوسط". وسرعان ما حذت شركة "رينو" حذوها وبدأت هي الأخرى عملياتها التشغيلية في المغرب. وهذا بلا شك سيشجع اللاعبين الدوليين البارزين الآخرين لاتخاذ المغرب مركزاً لعملياتهم التشغيلية. 

وسيكون مشروع القطار فائق السرعة بطبيعة الحال قادراً أيضاً على نقل البضائع الكبيرة. ومن هنا، تتطلع مجموعة "بي اس ايه" إلى مضاعفة القدرة الإنتاجية السنوية لمصنعها في القنيطرة خلال عام 2020؛ مما سيدعم النمو الاقتصادي في المنطقة. ولعل هذا الجانب المهم للمشروع سيرسخ مكانة المراكز التي يربطها كوجهات توظيف رئيسية من خلال دعم الشركات الأجنبية الراغبة بتأسيس أعمالها هناك. وبالإضافة إلى هذا؛ ستعود المعارف والخبرات التي ستكتسبها الشركات المغربية المعنية من هذا المشروع الضخم، بالفائدة الكبيرة على البلاد، حيث يمكن توظيف هذه المهارات في مشاريع أخرى سواء داخل البلاد أو في سائر أنحاء القارة مستقبلاً.

آفاق التطور السياحي

تستخدم شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة أيضاً في جميع أنحاء العالم لأغراض التنقل المتعلقة بالسياحة. وتهدف الخطط طويلة الأمد "مستقبلية مغرب 2030" واستراتيجية التطوير "رؤية 2020" إلى مواصلة إعطاء الأولوية للسياحة باعتبارها إحدى المقومات الأساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتهدف الرؤية السياحية 2020 إلى مضاعفة أعداد زوار المغرب، وأرباح تداول العملات الأجنبية، والقدرة الاستيعابية للفنادق. وفي النصف الأول من عام 2018، استقبل المغرب حوالي 5,1 مليون زائر؛ وهي زيادة قدرها 10٪ مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، بحسب المرصد السياحي المغربي. وفي ضوء هذا، يمكن للسياح استخدام شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة للوصول إلى وجهات محددة داخل المغرب؛ علماً أنه ستتم إضافة وجهات جديدة في السنوات المقبلة. وبحلول عام 2030، سيطرح المكتب الوطني للسكك الحديدية مناقصات لربط طنجة بأغادير عبر الرباط والدار البيضاء ومراكش والصويرة؛ ومن ثم الدار البيضاء بوجدة عبر مكناس وفاس. كما يمكن توظيف خدمات السكك الحديدية فائقة السرعة لأغراض السياحة الداخلية. وتتطلع الإدارة المغربية إلى تطوير هذا النوع من السياحة لمضاعفة عدد المسافرين المحليين بمقدار 3 مرات. وشهد عدد الليالي الفندقية المسجلة زيادة قدرها 11٪ لتشكل نسبتها 32٪ من مجموع عدد الإقامات الفندقية، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في السوق الفرنسية (20٪). وبفضل القطار فائق السرعة، باتت الفئات متوسطة الدخل قادرة على القيام بالأنشطة السياحية حالها في ذلك حال الفئات المغربية الميسورة.